تقارير

“يا ذات الضرا المستور”

الخالة علوية.. قاهرة نوائب الدهر.

ود رملي : سلمى عبدالعزيز
محجوب شريف لو رأى القهر بعينيها لأهداها قصيدته التي طيبت خاطر النساء في بلد تعشقه الكوارث وهدأ خوفها المتدفق من بين صوتها المبحوح : “تحيي تعيشي لا مقهورة لا منهورة لا خاطر جناك مكسور بل مستورة”.
“ست الشاهي” ـ أو الخالة علوية ـ لفتت انتباه كاميرا ( S.T) فالتقطت شرودها لعواليم كانت قُبيل سُويعات حقيقة ماثلة؛ باتت أمراً مريراً وواقعاً يجب عليها تحمله كما فعلت مع طُبول من نوائب الدهر “دقت” قبله،”هَم” هذه المرة جرف معه بيتها الذي يأوي الصغار،ويدفن بين “حِيطانه” الأربعة بعض الدموع والكثير من الضحكات والرضاء المغلف بالقناعة.
بيت من خيال
“سارحة وين يا أمي؟!”،سألتها بعد أن اقتحمت عليها شُرودها بلا استئذان،طرقتُ كثيراً،مرةً،وثلاثاً، لا رد، وكأنها ليست هُنا،رُوحها المُنهكة حلقت بعيداً،وبقى الجسد نحيل “أغبش” ومهموم،جاء ردها بصوت أجحش ما خِلته يخرج من بين ملامحها الطُفولية ولولا وقوفي قُربها لبحثت عن صاحبه؛ “دُنيا ده صعب شديد خلاص”.
وأردفت: (لو ما أنت جيت كان هسّة وصلت البيت عديل)،ضحكت بعيون دامعة،أو هكذا خُيل ليّ،حقيقة أنا من كُنت أحتاج البكاء،قطعت عليها رحلة ممتعة، سافرت بخيال مُرهق،إلى حيث تجد الراحة،منزلها الذي جرفه السيل!.
“كُنتي بتحلمي بشنو”؟
طرحت عليها السُؤال بعد أن سمحت لي بالجلوس قُربها،رتبت المكان جيداً،وكأني ضيف زارها حين بعثرة وضجيج دُون مواعيد،ولكنه ضيف عزيز،قالت بخجل: “مُوية كان في لكن الشفع ما خلو”، أرادت إكرامي وهي تفترش الأرض بما تمكنت من إنقاذه وهو قليل للغاية.روت وابتسامة طيبة غطت وجهها، قُبيل مجيئك كُنت زيّ كأني في بيتي، بولع نار “الكانون” لشاي الصباح،وبتي تقش في الحوش قبل تمشي المدرسة، البيت حبة شديد ـ تعني أنه بسيط ـ لكنه كان ساترني أنا وأولادي، استرجعت الحلم وكأنها تعيشه من جديد.
رُكام الذكريات
تجلس الخالة “علوية “في مُثلث ضيق تحده جوانب أحد فصول مدرسة الجيلي الأساسية، لاذت إليه بمعية صغارها وبعض الذي تمكنت من انتشاله من بين ركام منزلها الذي استحال إلى (حُطام) الآن ثياب أبنائها ـ القليل منها ـ “مرتبة”معطونة بالمياه ساهمت أشعة الشمس في تجفيف بعضها بينما مارست أجزاء عديدة منها العناد، صاج الكِسرة وحلة المُلاح وجك وردي أصر ابنها على أخذه، أما ما هون مرارة الفقد تمكنها من إنقاذ “بِرش” تركته والدتها ذكرى ثمينة على قلبها تقول إنها بحثت عنه بجد فوجدته والمياه تحاول جاهدة جرفه نحاية الجسر، هذا إضافة لحقيبة زرقاء باهتة بفعل تساقط الأيام حوت قبل سنين ماضية “شيلة ” زواجها.
ـ كانت تجلس بين سنوات عمرها والذكريات.
جبل الصبر
عشية اجتياح السيول مِنزلها بحي (أبو صالح) ـ أكثر الأحياء تضرراً ـ كانت الخالة “علوية” بائعة الشاي بسوق الجيلي الشهير، تُرتب “عِدة الشُغل” كما أطلقت عليها، لاستقبال يومِ جديد، تشرق أشعة شمسه عليها بالسوق ونيران صاج “الزلابية” مُتوهجة.
ولكن (ده الله ودِي حكمته) تُرددها وإشارات الرضا بادية عليها، وحبال القناعة وتقبل قضاء الله تلتف حول مصابها بالرغم من أنها لا تمتلك أيّ خطة للنُهوض مجدداً،لا تعلم ما الحل؟ وإن كانت تستطيع العودة لمنزلها المغمور بالمياه مُجدداً؟ وإن عادت هل ستتمكن من بنائه وإعادة الذي كان؟ لا تمتلك الأجوبة.
لم تُبقَ المياه المنهمرة من جسر أغفلت الجهات المسؤولة صيانته هذا العام مُتعاونة مع جناين “ليمون” أُنشئت حديثاً هي لا تعلم لمن تعود ملكيتها مثلها والسواد الأعظم من سُكان الجيلي على أيّ جُزء من منزلها المكونة من غُرفة يتيمة ومطبخ صنعته بمساعدة صغارها من القش وبعض “الحصير” تحفه جُدران أربعة.
أما ما أرهق روحها هو اختفاء ابنها البكر مع هيجان المياه المندفعة ليوم كامل فشلت محاولات بحثها عنه (تعبت من خوض المياه وقعدتا مستنياه في المدرسة)، وبدوره بحث عن أسرته أيضاً، والتأم شملهم بعد صراع مع المياه المتدفقة في أزقة الشوارع والأحياء بارتفاع شاهق . “أولادي معاي مافي شيء ناقص”، تمتمت بها ويدها تحتضن ابنتها الصغيرة.
قاهرات نوائب الدهر
النساء هن الأكثر تضرراً، هذه ترجمة ما شاهدناه في المدرسة، أُسر بأكملها لجأت إلى هُناك بعد تهدم منازلها، وتحولت الفصول لغُرف أوت ربات المنازل والطاعنات في السن اللائي لم يجدن وسيلة تُخرجهن من المنطقة علماً بأن جُل نساء حي (أبو صالح) تم إخراجهن لمناطق قريبة خوفاً من تكرار المفاجأة ولم يبقَ إلا المجبور .
كُن أيضاً الأكثر شراسة في نِزع حصص المساعدة المقدمة من قبل بعض المنظمات والجهات النظامية، مُحاولة الحصول على خيم ، ناموسية، مؤن.. الخ لم تكن بالهينة، ولكن النِساء هُنا يجدن خوض المعارك لأجل أطفالهن بلا هوادة.
مطالب مشروعة
تُطالب “علوية” بلسان جارتها في الحي سابقاً والمدرسة الآن الجهات المختصة بعد أن عادت مراراً خاوية اليدين وفشلت في الحصول على خيمة تأوي الصغار خاصة وأن إدارة المدرسة ظلت تُهدد وباستمرار بإخلائها بغرض التهيئة لاستقبال الطلاب مطلع الأسبوع القادم فقط بـ(الخيم)، ورددت (لا نُريد مؤناً) معللة حديثها بقولها: الجيلي خيرها مردم والأكل في من شجر الجوافة بناكل،لكن قُعاد بيوت الناس حار..
مشددة على أن الحمى كادت أن تفتك بابنها ولكنه الآن بخير، الأدوية الممنوحة لها من قبل العيادة جيدة، داوته ونزعت عنه الحمى في يوم واحد فقط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة