تقارير

مدني عباس مدني … بين خياري الإقالة والإستقالة

سر تمسك حمدوك بـالوزير!! .

الخرطوم: فتحية عبدالله
فيما ينعقد المؤتمر الاقتصادي القومي الأول للبحث عن حلول جذرية لمشكلة الاقتصاد السوداني، التي تفاقمت للحد الذي أوصل الجميع إلى طريق مسدود، ثمة مطالبات تدعو رئيس الوزراء القومي د.عبدالله حمدوك، لاتخاذ قرار يفضي للإطاحة بوزير التجارة والصناعة مدني عباس مدني، ما أعاد الجدل مجدداً حول هوية الوزير وسر تمسك الحكومة به ليكون ضمن طاقمها.
(1)
الشاهد أن مدني المنحدر من منطقة جلاس محلية مروي بالولاية الشمالية، قد تخرج من جامعة الخرطوم كلية الاقتصاد، وإبان حياته الطلابية كان ينشط سياسياً في حركة الحياد (تنظيم المحايدين الطلابي)، ثم لاحقًا نشط في (حركة التغيير الآن) المعارضة لنظام البشير، عاد مدني مرة أخرى إلى جامعة الخرطوم في العام ٢٠٠١ وحصل على الماجستير في علم الاجتماع والانثربولوجي، وبعدها التحق بالمكتب التنفيذي لمنظمة (نداء التنمية السودانية) وهي منظمة غير حكومية وما يثير حفيظة الكثيرين هو أن والده عباس مدني كان وزيراً للداخلية بنظام الرئيس جعفر نميري.
(2)
لم يكن لمدني عباس حضوراً بالمشهد السياسي السوداني، إلا عندما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بنظام المخلوع عمر البشير، بعد فترة حُكم استمرت لثلاثين عاماً، حيث لعب الرجل دوراً كبيراً في مسيرة التغيير ودون له التاريخ إصابته في الكتف برصاص الشرطة من داخل ميدان الاعتصام من أمام مبنى القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة.
(3)
وعندما بدأت مسيرة التفاوض بين المكونين المدني والعسكري بقاعة الصداقة بالخرطوم، تقول المسيرة النضالية لمدني أنه كان من أوائل الرافضين لشراكة قوى الثورة مع العسكر، وذلك عبر الندوات والمؤتمرات الصحفية التي ظلت تعقدها قوى الحرية والتغيير إبان تعقد المشهد السياسي بعد سقوط نظام الإنقاذ وقبيل استلام السُلطة المدنية.
(4)
لكن ولأن ثمة صراع دار بداخل مكونات الحُكم المدني إبان اختيار الوزراء الجُدد الذين اشترط عليهم الكفاءة لا المحاصصة، فقد دفعت قوى الحرية والتغيير بمدني عباس مدني، ليكون وزيراً لوزارة التجارة والصناعة، بل وفرضته فرضاً على رئيس مجلس الوزراء القومي د.عبدالله حمدوك، ما دفع الشارع للتحرك ضده، فقد أضرم الثوار الإطارات بشوارع العاصمة، وعكست لافتات الرفض الواسع لتولي مدني منصباً وزارياً، في وقت أصدرت لجان مقاومة البراري بياناً، قالت فيه إن مشاركة مدني بالوزارة تخالف ما اتفق عليه مع لجان المقاومة في لقاءات مسجلة له، غير أن الرجل خرج بتصريح للصحف اليومية يقول خلاله “ترشيحي تم بالإجماع من قبل قوى الحرية والتغيير، وهو مرتبطٌ بالربط بين الحرية والتّغيير والسلطة التنفيذية وتمثيل رموز الثورة، وهو أمر ظَل محل تحفظ مني، ولكن ظل أيضاً محل تشاور معهم”.
(5)
وما إن تولى مدني الحقيبة الوزارية لوزارة “التجارة والصناعة” إحدى أهم الوزارات بالسودان، إلا وازداد الوضع سوءاً على ما كان عليه في السابق، حيث تفاقمت الأزمات الاقتصادية، وزادت صفوف الخبز والوقود بطريقة مؤلمة للغاية، وارتفعت أسعار السلع بشكل جنوني ولم يعد للرجل سوى التخبط وإطلاق الوعود على الرغم من وقوف البعض من شباب لجان المقاومة معه لمساندته في المهمة باعتباره رجل الثورة الذي أصيب برصاص العسكر في كتفه.
(6)
لكن عجز الرجل بات واضحاً في إيجاد حلول ناجعة للعملية الاقتصادية على الرغم من أنه قال خلال تسلمه مهامه للوزارة واجتماعه بمديري الإدارات العامة والمتخصصة إن السودان يصدر منتجات ومواد أولية، ويستورد ما يتم إعادة تصنيعه، وإن وزارته تسعى لتذليل المشاكل والمعوقات التي تعترض الصناعة والتجارة المتمثلة في القوانين والسياسات وضبط الأسواق وارتفاع تكلفة الإنتاج والجودة والتهريب، فضلاً عن إشارته لاهتمام وزارته بالحركة التعاونية التي قال إنها ستجد الأولوية القصوى، بجانب قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، إذ إن السودان يمتلك إمكانات وفرص كبيرة للنهوض بشكل يتناسب مع حجم الموارد المتاحة، بجانب الإرادة السياسية والشعبية.
(7)
فالرجل الضجة الذي وصل الرقم القياسي في النقد من خلال منصات التواصل الاجتماعي رفض رئيس الوزراء القومي د.عبدالله حمدوك، إقالته مع طاقم الوزراء الذين استغنى عن خدمتهم خلال فترة وجيزة، ما أثار دهشة الكثيرين وفتح الباب واسعاً للتساؤل حول سر تمسك الحكومة به ليكون ضمن طاقمها الوزاري على الرغم من كثرة المطالب التي نادت بإقالة الرجل من قبل رئاسة مجلس الوزراء، أو الدفع باستقالته باعتباره أحد أزمات البلاد، وهنا قال مدني إن قرار الاستقالة هو أسهل الخيارات التي يمكن أن يُقدم عليها من تولَّي المسؤولية في ظل حكومة الفترة الانتقالية، غير أن الوضع يقتضي إيجاد الحلول لا الهروب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل حقاً مدني أس البلاوي التي وقع فيها السودان في تاريخ ما بعد الثورة؟
(8)
مراقبون قالوا لا يجب ربط الأزمة الاقتصادية بشخصيات بعينها إذ إن القضية من الأساس تكمن في السياسات وغياب الرؤية الثاقبة، فضلاً عن الخبرة في العمل الوزاري مضيفين أن ثمة مؤامرات من اتباع النظام السابق وضعت الرجل نصب أعين الفشل ما دفع بالبعض لأن يطالب بإقالته دون النظر إلى النصف المليء من الكوب، غير أن الخبير الاقتصادي د. محمد الناير قال نظراً للسياسات الاقتصادية، فوزارة التجارة هي مسؤولة في المقام الأول عن اقتصاد السلع وشح المحروقات بالتضامن والتنسيق مع الوزارات ذات الصلة وهنا بالتأكيد الوزير المهني هو المسؤول، فعلى مستوى السلع الأساسية أو الخبز أو المحروقات لا يوجد أي تقدم، لذا غض النظر عن أي تسميات فإن وزير الصناعة ليس هو المسؤول وحده عن فشل إدارة الأزمة الاقتصادية إذ إنه وفي تقديري يجب أن يستقيل أو يُقال أي وزير حال فشل في تقديم حلول وفقاً لمهامه، ورئيس الوزراء القومي بالتأكيد هو المسؤول عن تقييم أداء طاقمه الوزاري، ويضيف بحسب حديثه لـ(السوداني الدولية) أن الفترة الانتقالية محدودة جداً يفترض أن يتعامل فيها بحسم إذ إن لا مجال للتجربة والخطأ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة