مقالات

عيد الجيش (66).

اب_رسوة_المكتح_راسو_بالبارود.

محمد حامد جمعة نوار:

في عيد القوات المسلحة ؛ عيد الجيش ؛ أبذل كامل تحايا العرفان ؛ لمن عرفت ومن لم أعرف لكل رجال الجيش السوداني العظيم ؛ أخص بالود الاف الشباب من الضباط والجنود ؛ الشرفاء ؛ النجباء ممن كانوا في جفن الردي . غطاء وشفاء لتسلم احداق الوطن الجميل ؛ ذابت ارواحهم على مقلتيه فتكحل بهم . ابذل تحيات الوفاء لشباب كالازاهير النضيرة ؛ ورجال كالجبال الراسيات ؛ صحبتهم رايت فيهم وبينهم وشيجة ممدوة ممدود ؛ كأنما دفع بهم رحم واحد ؛ أذكر (اتير) بابتسامته المجيدة وجسده النحيل وسمرته الابنوسية يحدثك عن ديار بانتيو يهزه الفخر حتى ينثني وهو يذكر دياره . اذكر عثمان عيسي من (الجبلين) وحكايات السمر في (القيقر) . تغشاني صورة (حجازي) الحلفاوي ابن المظلات ؛ وسكونه الغريب ؛ رجل يحب القراءة لدرجة اني اظن مرات انه يفحص اوراق الشجر يبحث عن سطور الحقيقة ؛ كان هناك (الطيب) سليل فراديس النيل تجاه (واوسي) جاءنا كذلك شاب من ام تكالي نسيت اسمه ؛ عرفت (عطية) الممتوح للجيش من صحراء العتمور ؛ صادفت (دقشة) ابن النيل الازرق ؛ حامل ربابة اعدها من خشب وحديد واسلاك ؛ طهمها بقناديل من كرات خيوط جعل الوانها بين احمر وأخضر وابيض ؛ يختلي في العصريات الى جزع شجرة كأنما يهزها كما فعلت مريم البتول في نخل الروايات المقدسة ، كنت محظوظا ان شهدت نسيج قومية للجيش تمثلت فيه كل الجهات والبقاع ؛ رجال اعجب ما فيهم انهم حتى في لحظات موتهم شهداء يستدعون عريض البسالة والوجاهة والانتظام ؛ حتى في إحتضارهم ؛ تجد من يمسح جبين اخيه ليزيل لطخة دم او يصلح شعث شعر او يعيد شد إزار قميص ؛ حتى طلبات الوداع تتقطر حنانا وإلفة (موية يا دفعة) ! ما رايت منهم من يبكي او يرتعب وهو يطل على شرفة الموت !
2
الرجال الذين يراهم البعض في التشريفات ؛ انجم وعلامات ؛ رتب ومراسم ؛ رايتهم (والكوع حامي) مغبرون انفاسهم متلاحقة ؛ مرقدهم تراب ؛ ومأكلهم عصيدة ان طعمت بالزيت المحرق فقد ربحوا ؛ تحرقهم مصاهر النيران ولسع الرصاص ؛ تضن الظروف مرات بعربة فيسيرون راجلين ؛ رفيقهم لسع رصاص وباعوض ؛ تتعطل اجهزة الاشارة ربما ؛ وتضل إتجاهات الخرط ؛ يغالبون كل هذا ؛ يردون مرة ويشردون مرة ؛ يضيعون حينا ويلتقون حين اخر ؛ قد يهلكون عن بكرة ابيهم لتأمين جبل او تحسس مسارات غابة ؛ بقعة في تعريفات الناس والجغرافية قد لا تذكر لكنها تعني نجاة كتيبة وغوث رفاق وهزم عدو ؛ فان طابت الساعات وإستقرت ؛ اعادوا تنظيم انفسهم يشقون الليل بالصمت والنهار بالعزيمة ؛ يؤدون واجبهم الذي تلخصه إشارة تسمى ارضا وتنعي عشرات منهم ؛ تنزل في الصحف فتلهم كاتب لقول مجيد وسياسي لخطبة عظيمة وشاعر لاغنية وفنان لعرض حماسي ؛ كل هذا يحدث هنا فوق منصة وضجيج منعم فيما حدث هناك بين شقاء والم ودم وارواح ؛ بعضها يحال ملف لتسوية معاش شهيد واخر انتقل الى قائمة انتظار لنيل زراع من نحاس ! اغرب حكايات الابطال الحقيقيون أنهم عادة ينتهون في المدائن لا يلحظهم احد ؛ بسطاء هادئون لدرجة ان البطولة نفسها مرات قد تقود عظيما منهم للطرد والسجن لان بوصلة الساسة قالت مرة ان هذا الضابط بعثي او انه اسلامي حسب مجاري الريح. واتجاهاتها
3
إني في عيد القوات المسلحة اليوم ؛ أبعث شكري الخالص لكل اوفياء الجيش ؛ (اويس) هذا البلد ؛ كل ضابط وجندي ؛ اعطى وما بخل ؛ واخص من وهبوا للديار ارواحهم ؛ وداعة الله ابراهيم ؛ الشين ؛ ضياء الدين ؛ اسامة ؛ عبد المنعم الطاهر ؛ الوف الوف اسمائهم في وجدان الرجال والرفقة والصحاب وقبل هذا في افئدة أحبة ؛ امهات واباء ؛ اشقاء وشقيقات ؛ اجساد توزعت بين صحاري وغابات ؛ دعل ووديان ؛ تحيتي اليوم للشهيد هشام عبد القادر احمد ؛ الذي كلما اراه تطل صزرته في لحظته الأخيرة ؛ يملأ عينيه من سماء السودان وجندي حبيب الى جواره ؛ يمسح مرة جبينه ويمسك بيده يد شهيد مودع ؛ كان الجندي في حزن توشح بالصبر والإطراق العميق ؛ . هؤلاء رجال يستحقون الوفاء والذكر الحسن ؛ تاريخ التصدي عندهم كان قبل ان يعرفه البعض في أحداث أبريل ؛ هذا الجيش منذ الإستقلال؛ يحمي قرى ويؤمن روعات ويصد سماسرة وتجار حروب ؛ بعضهم آمن وسالم وكثير منه تحمل نفسه البغضاء وان تلون ؛ بدواعي السياسة ومقتضيات التحرف للمراحل ؛ حفظوا السودان وفدوه ومضوا لم تمس اياديهم سوى دمائهم الساخنة ولولاهم وفضل الله لكان حديث البعض اليوم غير الحديث ولكان فعلهم غير الفعل . واعلم ان كل حرف مماثل يغيظهم لانه يذكر الناس بحقيقة الوجوه التي تضع الان الاقنعة وتتدعي النقاء . كلما ذكر الجيش ؛ حقروه وشدوا عليه ؛ يظنون أنهم سينالون وبحول الله وسند الأخيار سيبقى هذا الجيش شامة وعلامة ؛ به تنحل الكرب ؛ وعليه بعد الله التكلان ؛ سمح مسامح ؛ يتجاوز عن الصغائر ؛ كبير لا ينزل عن مقامه لكل وضيع . سيظل رغم التخرصات والحملات هو ذاته الذي اضاء مصابيح الارض الحرام ؛ ومن حقه ان يحتفل بيومه لاهله ورجاله ؛ لقد ظل لعقود يحرس الفيافي ولا يزال ؛ رجال تتوالى عليهم السنوات والسنوات في خلاء وصقع والناس في أعيادهم وأنخابهم ومسامرهم ؛ بعضهم كان يحتفل لان قوة يسندها من الغرباء (غدرت الوليد وجنوده) ؛ من حقهم ان يحتفلون وبعض الأسر والدها شهيد وابنها مفقود . هل سال سائل من غدرهم ؛ في الجنوب القديم او جبال النوبة او دارفور ! غدرهم وقتلهم ! ورغم ان الأجابة معلومة لكن الجيش اليوم كمؤسسة وكيان ؛ سيقبل بذات الخصوم شركاء لاجل السلام ؛ لاني كما قلت انه كبير لا تكدره المرارات ومتسامح ؛ نفسه موطنة على انه دوما يبقى للصلح والإصلاح موضعا وخانة ؛ ثقتي في جيش بلدي ستكون وافرة ؛ وفق تقلبات الطقس السياسي وأعلى مقاما من نهج الهدم الإنتقائي الذي ينكر عطاء الرجال لغبينة او ضغينة او تحريض جهول. اثق فيه وإن اخطأ او قصر لسبب او تقدير وأرجو منه دوما حسن الظن في انه في النائبات سيكون بالموعد ؛ لان وطنيته اصيلة وطينته خالصة من تراب هذا الارض ..عاشت القوات المسلحة دار عز وراية نصر وفارس مكتح راسو بالبارود. ؛ هو قولي وموقفي _ومن يقف عكسه هو وذاك _ . عليه أعيش وأموت ؛ فاللهم أنصر جيشنا وأنر بصيرته فأنهم كما قال الحجاج عن نفسه يزعمون انك لا تفعل. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة