تقارير

عبد الواحد نور.. ماذا يريد؟ وكيف يبدو له السلام؟

اتسمت مسيرته بالرفض فاشتهر بمستر "نو"

الخرطوم : فتحية عبدالله
رجل من طراز فريد، عرفته الساحة السياسية السودانية متصلباً في المواقف تجاه دعوات الحوار والتفاوض التي ظلت تطلقها حكومة المخلوع عمر البشير آنذاك، وعرفه المجتمع الدولي بمستر “نو”، شهدت مدينة زالنجي صرخة ميلاده، حيث درس وترعرع بها، تخرج من جامعة الخرطوم كلية الحقوق، وعمل بالمحاماة لسنوات، قبل أن يقود تمرداً عسكرياً على حكومة الخرطوم بالعهد البائد، أسس بمعاونة عدد من أبناء دارفور حركة دفاعية مسلحة أطلق عليها “حركة جيش تحرير السودان”، فخاض بها عدداً من المعارك بالإقليم، خسر منها ما خسر وربح منها ما ربح، إنه عبد الواحد محمد نور، ذلك الرجل الذي ترغبك مسيرته في العمل المسلح للخوض في الأعماق أكثر، كيف لا وهو الأكثر جدلاً من بين قادة الحركات المسلحة الأخرى.
(1)
الشاهد أن لا أحد حتى الآن يعرف ماذا يريد عبد الواحد نور من الحكومة السودانية بعهديها (الإنقاذ والانتقالية)، فالرجل ظل ومنذ (أبوجا) رافضاً لكل نداءات السلام، ولم تسجل له صفحات التاريخ أي من المشاركات في أي من جولات التفاوض التي جرت بين حكومة العهد البائد والحركات الدارفورية المسلحة، ما أثار جدلاً واسعاً في الساحة السياسية السودانية التي استعصت عليها قراءة عقلية الرجل، وتفسير ما يدور بالدواخل التي بدأت وكأنها لغز كبير لدى العامة بمن فيهم المجتمع الدولي، فتلك المواقف المتصلبة فتحت الباب واسعاً أمام قادة النظام البائد ودفعتهم لأن يطلقوا هجوماً عنيفاً حيال الرجل، الذي وصم بأنه لا يريد سلاماً في أي مكان أو زمان أو حتى بإبداء شروط معينة.
(2)
وفي ظل المناخ الجديد لمسار الحرب والسلام بعد ثورة ديسمبر المجيدة، التي غيَّرت قوانين اللعبة في التفاوض مع الحركات المسلحة عامة، سيما وحركة عبد الواحد محمد نور، توقع مراقبون أن تتغير مواقف الأخير الرافضة بصلابة للتفاوض، خاصة في ظل الاستجابة الواسعة لحركات الكفاح المسلح لنداء الجلوس للتفاوض، والتوقيع فيما بعد بالأحرف الأولى لما توصلت إليه من اتفاق، غير أن عبد الواحد نور، كعادته خذل كل تلك التوقعات، وأعلن رفضه الجلوس مع الحكومة الانتقالية التي اعتبرها امتداداً للنظام البائد، وقال في وقت سابق إن ما حدث من تغيير في الدولة السودانية هو تغيير لرموز النظام، وليس تغييراً جذرياً يحقق دولة المواطنة التي حمل السلاح من أجلها بالرغم من موافقته الجلوس إلى الطاولة التي أبداها في بادئ الأمر.
(3)
وعلى الرغم من أن موقف حركة عبد الواحد كان معروفاً لدى الكثيرين، غير أنه لم يكن ينظر إليه بكونه موقفاً مصادماً للواقع الذي أفرزته الثورة، إذ إن اللقاء الشخصي الذي جمع بينه ورئيس مجلس الوزراء د.عبد الله حمدوك، قد أكسب الحركة أضواءً كاشفة مقارنة بالعهد البائد، الذي يرى خلاله أن كل الدعوات التي تطلقها حكومة الإنقاذ لمعالجة أزمة الحرب لا تخاطب جذور الأزمة، الأمر الذي جعلها مرفوضة عنده على الدوام، وهذا الرفض بالتحديد جعل القطاع الطلابي في “الجبهة الشعبية المتحدة upfيفتخرون” به، ويرددون بالجامعات مقولة “الرجل الذي قال لا ولن ولم نفاوض نظام القتل والخيانة والقدر”، لكن وبالنظر إلى مواقفه الآنية، وبالرجوع إلى العهد البائد، ثمة تساؤلات تطرح نفسها، ماذا يريد عبد الواحد محمد نور؟ وكيف يبدو السلام في نظره؟
(4)
تباينت الرؤى واختلفت التحليلات حول شخصية عبد الواحد نور، ففي الوقت الذي يقول فيه البعض إنه ينطلق في مواقفه الرافضة للتفاوض مما تعرضت له حركته من تشوهات من قبل حكومة العهد البائد، يقول البعض الآخر إن لعبد الواحد وحركته دوافع خفية تكمن في متابعاتها لمسيرات السلام والاتفاقات التي وقعت بين الحكومة والحركات المسلحة من قبل، والتي انتهت إلى ثنائيات، ما يُعد بمثابة تجربة ماثلة يقرأ خلالها مستقبل حركته حال وقع على سلام يوم ما، وما بين هذا وذاك يقول مراقبون إن عبد الواحد نور، يريد برفضه الدائم للسلام كسب كروت إضافية، إذ إن السلام بنظره لا يمكن أن يكتمل بدونه، وذلك للكاريزما السياسية التي يتمتع بها في الإقليم والعلاقات الدولية التي ظل يستند عليها بشكل كبير، بجانب السند الذي يجده من العديد من الدول الغربية، وأضافوا عبد الواحد لايزال ينظر للوفد الحكومي المفاوض بجوبا أنه أحد موروثات النظام السابق وبقية ما تركه المؤتمر الوطني وهذا ما يقف حجر عثرة بينه والجلوس للتفاوض لتكملة عملية السلام.
(5)
ويضيف المحلل السياسي عبد الله آدم خاطر إن عبدالواحد كشخصية فرضت عليه الأحداث بإقليم دارفور وما يعانيه المواطن هناك، تولى مسؤولية حركة جيش تحرير السودان في عمر يكاد يتصف بالصغر مقارنة بالقيادات التي تتولى قيادة أي من الحركات المسلحة، هذا بجانب افتقاره الخبرة السياسية، ما أدى إلى خلق نوع من الـ(ضعدعة) لشخصيته، بجانب الانتصارات التي حققتها حركته في بادئ الأمر والتي خلقت صدىً واسعاً، وأدت بطبيعة الحال إلى توسع في العلاقات الدولية، ما أوصله مع الوقت إلى حقيقة أنه أصبح عنصراً مهماً من عناصر السلام في دارفور، وإن السلام لا يمكن أن يكتمل بدونه، كما أن الحكومة السودانية لا يمكن أن تتجاوزه في حال من الأحوال، وأصبح كذلك يدرك أن كلمته صارت ذات قيمة بالنسبة للمجتمعين (السوداني والدولي)، لذلك سار في اتجاهات غير واقعية، في وقت لم يجد المساعدة الكافية، ما دفع بحكومة السودان لأن تشوه صورته وصورة حركته، لكن في حقيقة الأمر أن عبدالواحد رجل عادي ينطلق من حقيقة الأوضاع في دارفور، ويفتقر للكثير لذلك صار يكتفي بكلمة (نو) التي اشتهر بها في كافة المحافل الدولية، وأضاف خاطر في حديثه لـ(السوداني الدولية) في تقديري أن عبدالواحد ليس بحاجة للتفاوض مع الحكومة السودانية، إذ إن من المتوقع أن يأتي إلى السودان وفي أي لحظة، خاصة وأن تم توقيع اتفاقية السلام، لأن ذلك سيمهد له الطريق ويفتح له الباب واسعاً لأن يقول لقد تحقق السودان الذي نريد، وإن هذا السلام الذي يناسبني وهأنذا موجود دون تفاوض أو اتفاقات أو حتى ضمانات.
(6)
الناطق الرسمي لحركة جيش تحرير السودان محمد عبد الرحمن الناير، قال ما يقوم به عبد الواحد من مواقف رافضة لنداءات الجلوس للتفاوض طيلة العهد البائد والعهد الحالي، تأتي من منطلقات ما تمليه عليه الحركة التي ترى بطبيعة الحال أن السلام العادل والشامل والمستدام يتحقق بمخاطبة جذور الأزمة التأريخية عبر مؤتمر للحوار السوداني السوداني، وبمشاركة كافة المكونات السياسية والعسكرية والمدنية والأهلية والفئوية عدا نظام المؤتمر الوطني وواجهاته، شريطة أن يكون داخل السودان لكن بعد تسليم كافة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين كضمان لإنجاح هذا المؤتمر، هذا بجانب عودة المنظمات الدولية التي طردها المخلوع عمر البشير، ومنعها من تقديم خدماتها للنازحين والمتضررين، ووقف القتل بدارفور ونزع سلاح المليشيات الحكومية، وتهيئة الأجواء لحوار منتج يطوي صفحة الحرب وعدم الاستقرار السياسي، ويقود إلى حكومة مدنية بالكامل من شخصيات مستقلة مشهود لها بمقاومة النظام البائد، فضلاً عن إعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة لا سيما الأجهزة العسكرية والأمنية، وفق أسس قومية جديدة وبناء جيش وطني واحد ذو عقيدة قتالية متوافق عليها، وبناء دولة مواطنة متساوية بين كل السودانيين، ويضيف في حديثه لـ(السوداني الدولية) لقد صرحت قيادة الحركة لأكثر من مرة بأنها سوف تعلن مبادرة للسلام الشامل بالسودان تحوي هذه المضامين، غير أن جائحة كورونا والإجراءات الدولية التي تم اتخاذها لمجابهة هذا الوباء أجبرت الحركة لتأجيل إعلان مبادرتها، ولكن سوف تعلن عنها متى ما تحسنت الظروف التي دعت لتأجيل إعلانها.
(7)
ويشير الناير إلى أن رفض الحركة بقيادة عبدالواحد محمد نور، منبر جوبا نابع من المنهجية والإجراءات الخاطئة التي قام عليها المنبر، إذ إنها تم تجريبها من قبل في أكثر من أربعين اتفاقية سلام ثنائية وجزئية، وجميعها فشلت في تحقيق سلام عادل وشامل يحقق متطلعات السودان ودولة المواطنة التي يحلم بها كل مواطن، فجميعها انتهت بمحاصصات في السُلطة وعالجت قضايا أشخاص ولم تعالج قضايا الوطن، لذا فإن تجريب المجرب هو مضيعة للوقت وتعقيد وتطويل للأزمة السودانية لا أكثر، وما بين هذا وذاك يبقى السؤال قائماً ماذا يريد عبدالواحد نور عبر حركته جيش تحرير السودان ؟ وكيف يبدو السلام في نظره؟ وماهي المتطلبات التي ستغير طريقته حيال التفاوض من (لا) إلى (نعم) وتطوى بعدها صفحات السلام بالسودان؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة