تقارير

تقرير المصير.. مزايدات سياسية أم مطالب حقيقية؟

آخرهم البجا.

تقرير: فتحية عبدالله 
بالأمس طالب المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة بشرق السودان بإجراء استفتاء لحق تقرير المصير طبقا لما كفلته القوانين الدولية والإقليمية، إذ إن البجا لم يجدون طيلة العهد البائد سوى الحسرة وسوء التغذية والسرطان والإبادة، فضلاً عن ممارسة سياسة الإقصاء والتهميش والإفقار المتعمد للإقليم، ما أثار جدلاً واسعاً بالمشهد السياسي السوداني، لاسيما بين مكونات شرق السودان.
(1)
الشاهد أن مطالبة البجا بحق تقرير المصير لم تكن الأولى من نوعها بالدولة السودانية، إذ سبقها الدكتور شريف حرير متحدثاً عن إقليم دارفور، ومن بعده رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، ومن قبله الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي حققت مقصدها عبر استفتاء أجرته بموجب اتفاقية نيفاشا للسلام (2005)، ولم يكن قائد الحركة الشعبية قطاع الشمال عبدالعزيز الحلو ببعيد عن مطلب الحركة الأم، إذ وضع حق تقرير مصير النوبة شرطاً أساسياً في التفاوض مع الحكومة الانتقالية حال لم تنفذ مطلبه الأول القاضي بتطبيق العلمانية بالدولة السودانية.
(2)
في السابق كانت دعوات حق تقرير المصير تثير جدلاً واسعاً بالمشهد السياسي السوداني، إذ يعتبرها البعض محاولات لشق صفوف الحركات المسلحة، غير أنه وبعد فصل جنوب السودان وما صاحبه من تداعيات على مستوى شعبي البلدين، بات في حكم المؤكد وبحسب مراقبين إجماع القوى السياسية على رفض ذلك المطلب والضغط على الحكومة لتنفيذ ما يريده الشعب السوداني من وحدة وتعايش سلمي بين كل مكونات المناطق، لاسيما التي تعاني التهميش في قسمة الثروة والسُلطة، إذ إن تجربة جنوب السودان تكفي لأن تكون أنموذجاً للقادة السياسيين الذين ظلوا ولازالوا ينادون بحق تقرير المصير.
(3)
يبدو واضحاً أن كل الجهات التي أطلقت دعاوى حق تقرير المصير، اتجهت وبحسب مراقبين إلى ذلك الخيار بعد فشلها في الوصول إلى عيشة هنيئة لإنسان المنطقة، فمنطقة جنوب كردفان التي يسيطر عليها قائد الحركة الشعبية قطاع الشمال عبدالعزيز الحلو، وعلى الرغم من أنها أغنى مناطق السودان مواردا، إلا أنها ظلت ومنذ وقت ليس بالقليل تعاني من الحروب ما تسبب في تشريد عدد كبير من مواطنيها هذا بخلاف القتلى والجرحى والبنى التحتية التي تتصف بالانهيار، هذا فضلاً عن إقليم دارفور الذي عانى مثلما عانت مناطق جبال النوبة، ما تسبب في ازدياد عدد الحركات المسلحة التي تطالب كل على حدة بالعدالة في قسمة الثروة والسُلطة، ليدخل البجا المشهد السياسي ويسلك مسار ما سبقوه بجنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان، ليبقى السؤال الذي يفرض نفسه لماذا دعوات حق تقرير المصير؟، هل تطلق لأجل المزايدات السياسية ورفع سقوف التفاوض مع الحكومة السودانية، أم أن شعوب تلك المناطق حقاً يرغبون في تقرير مصيرهم بعيداً عن المركز؟
(4)
في فبراير الماضي أعلن عضو الوفد التفاوضي الحكومي محمد حسن التعايشي، عن اتفاق الحكومة الانتقالية مع قادة الجبهة الثورية في جوبا ضرورة أن يعالج اتفاق السلام العلاقة المختلة تاريخياً بين المركز والأقاليم، مشيراً إلى أن الحكومة قدمت اقتراحاً يقضي بالعودة إلى نظام الأقاليم مع إعطائها سُلطة واختصاصات فيدرالية حقيقية، والبحث عن إيجاد صيغة علمية لمعالجة هذه القضية بعيداً عن معالجات الاتفاقيات السياسية السابقة التي لجأت إلى معالجتها بطريقة مؤقتة ولم تتطرق لجذور المشكلة ولم تراعِ توزيع السُلطة داخل الأقاليم نفسها ما دفع بالبعض لأن يعتبر ذلك بمثابة محاولة لقطع الطريق أمام المطالبة بحق تقرير مصير أي من مناطق السودان.
(5)
بحسب المحلل السياسي بروفيسور حسن الساعوري، أن مطلب حق تقرير المصير بصورة عامة لا يخلو من كونه مزايدة للكسب السياسي، إذ إن ما خرج عن البجا أمس لا يمثل مواطن المنطقة أو الإدارات الأهلية وذلك لأنه خرج من نشطاء، ويضيف في حديثه لـ(السوداني الدولية) إذا نظرنا للمنطقة المعنية نجد أن إنسانها الآن موجود خارج مدينة سنكات وبورتسودان وخلافه، لذا مثلما أقرت الحكومة الانتقالية توزيع الثروة والسُلطة بدارفور، وتنازلت لحركاتها المسلحة عن نسبة معينة للتمثيل بالمناصب الحكومية، تريد البجا أن تنال مثلما نالت دارفور، ومثلما ستنال منطقة جنوب كردفان، لهذا لا يمكننا القول سوى أن القيادات السياسية تسعى دائماً للكسب السياسي من خلال المزايدة لقضايا المنطقة ومواطنيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة