منوعات

السودان: الفن والثورة قراءة في أدب الشعارات في اللحظات الحاسمة

القدس العربي : محمد الاقرع

الفن والثورة رغم أنهما مصطلحان يتقاربان في المعنى الذي يشير دائماً إلى أن ثمة فعلا نحو الأفضل إلا أنهما في ذات التوقيت يمثلان قضية شائكة ومتفرعة متى تأتي سيرتها يتولد عدد من التساؤلات، عن الفنون وأدوارها في الثورات؟ عن مواقف الفنانين والمطالبات بقيادة التغيير؟ عن أدب الشعارات وميلاد نجوم ثائرين؟ وغيرها من الاستفهامات الكثيرة والقضايا ذات الارتباط مما يؤكد أن الموضوع ليس من السهل احتواءه، لكن “القدس العربي” حاولت أن تجد إجابات ولو مبسطه عن التساؤلات السابقة وما أنتجته الثورة السودانية في الشأن.

يقول المتابعون أن الأغنيات مثلاً في السياق المتعلق بالوطن تولد عبر رحمين وغالباً ما يكونان مختلفين من حيث الجينات والأحلام، رحم السلطة ورحم الشعب، الخارجة من رحم السلطة غالباً ما تكون تبشيرية تجاه شعار النهضة ورد قوى الظلم والاستكبار، أما الخارجة من رحم الشعب فتكون ناقمة على النظام القائم، داعية للثورة، حالمة بوطن أفضل، وتلك الافتراضية دائما ما توجد في الأوطان المغتصبة من دول أخرى أو أن يكون النظام المفروض من بنيها نظاماً دكتاتورياً شمولياً. والباحث في السفر الغنائي السوداني الحديث كـ”نموذج” سيجد أن مساهمة الفنانين عبر الأغنيات في عملية التحرير من الاحتلال الانكليزي كانت موجوده، وتأخذ أنماطا عدة، منها ما كان يتستر خلف الكلمة “الرمز” مثل الإشارة لأسم “عازه” الذي استخدمه فنانو تلك الحقبة بمعنى الوطن، أيضا منهم من كان يحبذ نمط المباشرة أو كما كان يفعل الفنان السوداني الراحل حسن خليفة العطبرواي الذي كان يصدح جهاراً للمستعمر متى ما سمحت له الفرص بأغنيات مصادمة مثل “يا غريب يلا إلى بلدك”. والشاهد يقول إن هذه الأغنيات التي كان يرددها السودانيون في انتفاضاتهم وغضبتهم ضد المحتل، هتفوا بها عند خروجه ضد الأنظمة المحلية، فقد كانت بمثابة الأداة التحريضية التي توجه الشعب وتطلب منه الثورة، ولاشك في ظل الأنظمة الوطنية أيضا خرجت أغنيات ثورية ولكن ليس بالبريق نفسه، فقد كانت عُرضه للاستقطاب وتجاذبات التيارات السياسية وكانت احتفالية بالثورات “أكتوبر، أبريل” أكثر من كونها صانعة لها .

الأغنيات والثورة

الأغنيات هي وسائط دعائية، وكما تقوم بأدوار التحفيز على التغيير تقوم أيضاً بأدوار تخدير الجماهير، هي مثل “القنوات الفضائية، الإذاعات، الصحف” يمكن أن تقوم بالأدوار نفسها إذا وضعت في المسار الصحيح، بل وتتميز بمساحات قبول وتأثير أسرع. ويرى بعض النقاد أن الأغنيات تستطيع أن تصنع ثورة متى ما توفرت أسبابها الموضوعية، بينما يرى آخرون أن الثورة تصنعها الشعوب ودور الفنانين كأحد أطيافها هو التأجيج والحث عليها وتفسير أحلامها وتطلعاتها وليس الخروج في الشوارع والهتاف.

ديسمبر والفنون

الحراك الشعبي الذي أنتج ثورة كانون الأول/ديسمبر في السودان قبل عام قابله مد مواز في الأعمال الأدبية الثورية التي تحرض على الخروج وتوثق للمرحلة، ويلاحظ أن غالبية أعمال المقاومة التي كان يتم تداولها على وسائط التواصل الاجتماعي بصورة كبيره أتت معانيها دائماً متسقة مع شعارات الشارع وأحلام الثوار ومطالبهم، علماً بأن الأغنيات والفنون عموماً هي وسائل فاعلة في الثورة بكل أطوارها “التحريض، الحماس، الثبات، الأهداف، الأحلام، الاحتفاء والتوثيق بعد نجاحها” متى ما استدعت الظروف وتحرر الفنانين والشعراء من سجون التسبيح بحمد الطغاة.
الثورة السودانية أنتجت أدبها الخاص، مثلاً مع بداية الأحداث تداول ناشطون أهزوجة لثلاثة أطفال يسخرون فيها من القوة الأمنية “قوة البشير” التي تقمع المتظاهرين في الشوارع، سخر كذلك هؤلاء الأطفال من بطش هذه القوات، وجد ذلك “الفيديو” تفاعلا كبيرا جداً حتى أن بعض القنوات الإقليمية احتفت به، تصاعد الأحداث أنتج كذلك أغنيات أخرى أكثر رصانة وتسويقا للأفكار والشعارات التي من أجلها خرج الناس مثل الصوت العذب لتلك الفتاة وهي ترنم بنشيد تقول فيه “نادى الوطن ردوا كل زول رفع يدو. ثوار في كل مكان للظالم اتحدوا”.

ومع تصاعد وتيرة الأحداث خرج شعراء وفنانون بأغنيات وأعمال أكثر تحديا وجسدت رفع سقف المطالب للمتظاهرين الذين طالبوا بالتنحي والقصاص. مثلا كانت هناك أغنية تقول في مطلعها “ارح مارقة موت وحياة بقت متساوية ما فارقة”.
كذلك أعادت حركة الاحتجاجات آنذاك أغنيات قيلت في مناسبات أو ثورات سابقة فكانت أغنيات وردي “يا شعبا لهبك ثوريتك، ويا شعبا تسامى، وأصبح الصبح …الخ” وأيضا أغنيات محمد الأمين مثل “الملحمة” وغيرها من “الاكتوبريات” لكن برزت حينها أغنيات الفنانة نانسي عجاج “حلم، ميلاد”.
هناك فنانون حاولوا الانخراط في الهبة فانتجوا أعمالا وجدت صدى واسعا مثل أغنية حسين الصادق “سوداني” وعقد الجلاد “اوعك تخاف” وغيرهما.

استمرت الأغاني أو الأناشيد تنهمر بالتوازي مع حركة الشارع في اعتصام القيادة الشهير ومن ثم أسقطت النظام، وفي هذه المرحلة تحديداً كانت الأعمال تمتاز بطابع احتفالي حالمة بوطن أفضل. الأدب الغنائي وثق كذلك لأسوأ جريمة وهي مجزرة فض الاعتصام ولعل أكثر الأعمال الرائجة أغنية “مدنية حرية وسلام” التي تغنى بها أحمد أمين. بعد الاتفاق بين العسكر وقوى الثورة أيضاً صدر عدد من الأعمال في هذا السياق ويرى النقاد أنه ما زال البراح مفتوحا لاستقبال أعمال أخرى تمجد ثورة كانون الأول/ديسمبر.

هتافات الثائرين

ثمة أدب آخر تنتجه الثورات وهو “أدب الشعارات وهتافات الثائرين” ولعلها الملخص الحقيقي للحالة النفسية للجماهير ومطالبها، فإذا أردت أن تتعرف على أسباب ودوافع ذلك التحول الاحتجاجي وقياس مدى اتساع وغبن وأحلام الجماهير وأمنياتهم ما عليك سوى الاستماع لما تردده الجموع الثائرة وتمحيص ما كان يقال وسط ذاك الهدير المبارك .
هتافات الثائرين وشعاراتهم تمثل بالضبط أدب اللحظة الحاسمة أو الفاصلة بين عهدين، الأول يعمل على الدوام في تثبيت أركان حكمه على مبدأ فرض الرقابة المشددة في تكميم الأفواه، والثاني يؤسس لبداية عهد جديد وتأتي تلك “الهتافات” لتكون الجسر الذي ينعى الحقبة السابقة ويشكل الأحلام المقبلة. ويعتقد مراقبون أن هتافات الثائرين قد تكون بسيطة، لكنها ذات مدلولات كبيرة فهي نشيد الانعتاق الختامي الذي يترنم به الجميع .
شعارات الثورة أدب يتخلق في وجدان الناس لكنه يولد أثناء الاحتجاجات لذلك يكون صادقا واضح المقاصد وخاليا من التشوهات، بيد أن هذه الهتافات قد تكون نواة لأعمال فنية كبيرة بل حتى مشاريع سياسية واقتصادية، فهي موضوعة على ميزان ما يطلبه الشعب .
هتافات الثائرين في ثورة كانون الأول/ديسمبر كانت تأخذ هي الأخرى عدة مناحي، منها ما هو مطلبي ومنها ما هو تحريضي حماسي ، مثلاً الاحتجاجات الأولى التي انطلقت في عطبرة، كان المحتجون يهتفون فيها قائلاً “شرقت … شرقت عطبرة مرقت” وعلى ضوء ذلك تسابقت المدن الأخرى في تناقل الشعار مع وضع اسمها. “حرية، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” كان الشعار الرئيسي في الثورة ومثل جذوة الحلم الشعبي وغاية الخلاص، وتراوحت بعد ذلك الشعارات، فبعضهم كان يهتف تمجيداً للشهداء ومطالبةً بالقصاص، البعض الآخر كان يردد شعارات التحدي “نحن الجيل الراكب رأس”. في البداية كانت الشعارات جلها ينصب في إسقاط نظام البشير ومن ثم مجلس أبن عوف، بعد السقوط الأول والثاني كانت الهتافات تأخذ طابعا احتفاليا مثلاً اصطف الكثير من الشباب في حلقات راقصة مرددين شعار “تلاتين سنة بترقص الليلة رقصتنا”. وفي السياق ذاته أيضا كان يتمايل آخرون على وقع الشعار القديم المتجدد “فوق فوق سودانا فوق”. أهازيج الفرح لم تمنع من صعود مطالب أخرى، كان البعض يجولون وهم يهتفون بـ”حل جهاز الأمن وإقالة قوش” كذلك كانت الشعارات تحفز وتحذر المجلس العسكري من تحقيق مطالب الشارع مثل “يا برهان أدينا ضمان” و”سقطت ما سقطت صابنها”. آخر أيام الاعتصام كان الكل يردد “ما راجع أنا لي مطالب جيبو حكومة الحكم المدني ودم ـ الكوز ـ القتل الطالب”. وحين طلت إرهاصات فض الاعتصام قابلها الثوار بشعارات متحدية وقوية مثلاً كانوا يهتفون “يا أخوانا الموت الموت بي جاي موت ما عادي موت في رمضان وبدوشكا كمان ومعاهو جنة”. بعد جريمة المجزرة ما زالت الشوارع حتى آخر خروج تهتف “للمجلس ما في حصانة يا المشنقة يا الزنزانة”.

صناعة النجوم

في هكذا أوقات مصيرية هناك فنانون يصنعون الثورة وهناك فنانون تصنعهم الثورات، وهم يقسمون إلى فئتين أولا، الذين يصعدون مع الأحداث في اللحظات الحاسمة وتصادف أعمالهم هوى الكثيرين لتضامنها مع قضاياهم وأحلامهم وتتحول أغنياتهم حينها إلى هتافات داوية، أما الآخرون فهم الذين يأتون لاحقاً ويحاولون توثيق الأحداث والتأكيد على المطالب والأحلام عبر الأعمال الأدبية. أيضاً لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة متعلقة بالفنانين وثورة الجماهير وهي أن الانتفاضة الشعبية على الحكومات الفاسدة والفاشلة غالباً ما تكون الحد الفاصل في وضوح المواقف، فالفنانون الذين يميلون لجانب الأنظمة الحاكمة دائماً تلحقهم اللعنات وينفر منهم الجمهور حتى وإن فشلت الثورة؛ لأنهم سيصنفون ضمن قائمة المتخاذلين وتلك الفئة إن كتب لها الاستمرار فستكون معزولة ومحصورة تحت سقف التطريب ويفقدون لحد كبير إمكانية التأثير مستقبلاً .
الذين ينحازون لخيار الجماهير هم من دون شك يكونون مسار حب واحتفاء لكن أيضاً تكون الرقابة عليهم لصيقة وما أن تظهر عليها ملامح أي تغييرات وانتكاسات حتى تطاردهم اتهامات “بيع القضية”. أما الأتعس في عملية الثورة وتفاعل الفنانين معها فهم الذين يختارون مناطق ضبابية أو وسطى، فإذا فشلت الانتفاضة لم ترضَ عنهم الأنظمة وإذا نجحت لن ترضى عنهم الجماهير.
عموماً الثورة السودانية أنتجت أدبا غزيرا جداً في الشق المتعلق بالشعارات والأغنيات، كذلك كانت ملامح الفن التشكيلي حاضرة بقوة، اليوم الشخص الذي يتجول في شوارع الخرطوم يكتشف كما هائلا من الجداريات التي تشير بأن ثمة ثورة كانت هناك. 

اظهر المزيد